السبت، 18 يناير 2014

دروس يناير تخيم علي البيت الأبيض تغليب المصالح يدفع واشنطن لاستئناف المساعدات لمصر

مشهد إعادة الكونجرس الأمريكي النظر في تقديم المساعدات السنوية إلي مصرجاء بالمصادفة مع إعلان نتائج الاستفتاء علي الدستور الجديد‏,‏ الذي يفتح الطريق لواقع جديد لم يكن الغرب يريده أو يحسب أننا سوف نصل إليه‏.
لكنه يحمل دلالات مهمة عن تأثيرات الثورة الشعبية في30 يونيو الماضي علي العلاقات الثنائية والتي تبدلت فصولها بين مناخ الأزمة ومناخ الاحتواء طوال ستة شهور حتي رست واشنطن علي قناعة مبدئية أن الولايات المتحدة لن يمكنها التأثير في الوضع الداخلي في مصر في المدي القريب, وعليها أن تحمي مصالحها طالما لا يمكنها تغيير الواقع الجديد.
يسير البيت الأبيض والكونجرس في عكس إتجاه عاصمة تموج بمصالح كثيرة بعضها متعارض وبعضها متقابل ولكنها المصالح التي تربت علي أن ما يربط بين واشنطن والقاهرة تحكمه' المصالح العليا للدولة الأمريكية' في المقام الأول ومن تظهر بوادر خروجه علي تلك المسألة البديهية, فهناك جيش جرار من الخبراء والباحثين والكتاب في مراكز الأبحاث والصحف الكبري يمكن أن يتكفل بالأمر ويخرج من جعبته كل تلك العبارات الرنانة عن المسئولية الأمريكية في إعادة المسار الديمقراطي وضرورة الضغط من أجل ظهور حكومة تشمل الجميع ووقف ملاحقة فصيل سياسي بعينه. في المشاورات الأخيرة بمجلسي الشيوخ والنواب, وضع البيت الأبيض الحقائق أمام المشرعين حول تطورات العلاقات المصرية-الأمريكية, وكيف أن واشنطن فقدت كثير من بريقها وهيبتها في الشهور الأخيرة والأهم أنها لم يعد لديها سيناريوهات بظهور' حلفاء جدد' خاصة بعد احتراق ورقة جماعة الإخوان في زمن قياسي, بمعني أن التعامل مع الأطراف القوية الموجودة اليوم في قمة السلطة في مصر- المؤسسة العسكرية تحديدا- أمر لا مفر منه ومحاولة البحث عن أصدقاء جدد لتحقيق التوازن وتبديل الأوضاع في المستقبل هي مسألة تحمل مخاطر حقيقية.
توصل نواب الكونجرس في لقاءات سرية مع البيت الأبيض, استبعدت نوابا بارزين مثل السيناتور جون ماكين وليندسي جراهام لمواقفهما المتشددة, إلي الإسراع بانتهاج سياسة جديدة تقوم علي تغليب المصالح الإستراتيجية المباشرة عند التعامل مع السلطة الجديدة في مصر ووضع قضايا التحول الديمقراطي في مرتبة تالية. لم يعد الكونجرس قادرا في إدارة الملف المصري علي إظهار' عضلاته' مثلما حاول في الفترة المبكرة التي تلت الإطاحة بمحمد مرسي بعد أن ضاق هامش المناورة أثر تقلبات إقليمية لم تكن في صالح واشنطن أهمها دخول روسيا علي خط المصالح الأمريكية في مصر وبعض دول الشرق الأوسط وغضب دول خليجية كبري من السلوك الأمريكي تجاه تغيير نظام جماعة الإخوان. وفقا لمصدر رفيع المستوي في واشنطن, قصد الكونجرس- الجمهوريون تحديدا- بقرار تمرير المساعدات العسكرية والإقتصادية, وقدرها 1,5مليار دولار, في موازنة العام الحالي أن يعيد لإدارة الرئيس باراك أوباما الكرة إلي ملعبه وأن يمنحه هامش مناورة يستفيد منه في إعادة الدفء للعلاقات الثنائية بالنظر إلي أن المساعدات المقدمة إلي مصر هي مجرد رقم في موازنة المساعدات الخارجية والإدارة هي صاحبة القول الفصل في التصرف في تلك المخصصات وتقديمها بالطريقة التي تراها. وتشير المصادر في العاصمة الأمريكية إلي أن المشاورات وجلسات العمل بين البيت الأبيض ونواب الكونجرس قد انتهت إلي أن مصر لا ينطبق عليها التوصيف الكلاسيكي- المعتمد منذ سنوات الستينيات- للانقلابات العسكرية وبالتالي لا توجد حاجة للإقتراب من قانون خاص بحظر تقديم مساعدات لدول وقعت بها إنقلابات ضد سلطة منتخبة حيث رأت دوائر القرار الأمريكي أن تطورات الأوضاع في الشهور الأخيرة ترسخ حقيقة قيام ثورة شعبية- ساندها الجيش- للإطاحة بمحمد مرسي وجماعة الإخوان من الحكم.


وكانت واشنطن قد قامت بتجميد القسم الأكبر من المساعدات قبل شهور بعد تطورات المواجهة بين أجهزة الأمن وجماعة الإخوان وهو ما بعث بإشارات خاطئة للقيادة المصرية عن المنهج الجديد للسياسة الأمريكية التي أغضبها سقوط الإخوان أكثر من رؤيتها للحالة الشعبية التي رفضت حكم الإخوان ومساندة الجيش لموقف الغالبية بلا تردد. وقت صدور القرار, توقع عدد من الباحثين المعروفين في واشنطن تراجع إدارة أوباما عن موقفها بشأن المساعدات وعدم صمود قرار التجميد لأسباب عديدة أهمها تخوف الدوائر الإستخبارية والبنتاجون من تأثر أمن إسرائيل بالموقف المصري من تراجع الولايات المتحدة عن تعهداتها بموجب إتفاقية' كامب ديفيد', وتأكيد الجانب المصري أن هناك أشياء كثيرة تتغير علي المستوي الإقليمي وأهمها التقارب الأخير بين القاهرة وموسكو. ومن ناحية أخري, يبدو أن الرفض المصري المتكرر لبيانات الخارجية الأمريكية حول الوضع الداخلي في البلاد قد ترك أثرا علي توقف المسئولين الأمريكيين- ولو مؤقتا- عن الإدلاء بتصريحات مثيرة للجدل. وفي عملية الاستفتاء الجديد, لم تعلق واشنطن, مبكرا علي الإستفتاء وقالت أن المصريين فقط هم المسئولون عن مستقبلهم وهي لغة أكثر تحفظا من التصريحات السابقة. وبعد الاستفتاء, ينتظر أن تخصص الإدارة الأمريكية975مليون دولار من المساعدات للإحتياجات المصرية والدفعة الثانية مرتبطة بالتقدم في الإنتخابات الرئاسية والبرلمانية ما لم يحدث ما يعكر صفو العلاقة من جديد وهو أمر يتوقعه البعض في واشنطن والقاهرة, خاصة في حال إعلان الفريق أول عبد الفتاح السيسي ترشحه للرئاسة. واحد من أسباب توتر العلاقات بين البيت الأبيض والسلطة الجديدة في القاهرة هو الموقف السلبي من وسائل الإعلام الأمريكية تجاه الأحداث في مصر والنظر إلي ترشح السيسي بمثابة التطور السلبي بما يعني أن هناك أطرافا ستشجع علي توصيف ما حدث علي انه انقلاب وستدعو إلي موقف رسمي أكثر حدة رغم قناعة دوائر السلطة في واشنطن أن بلدهم لم يعد يحمل تأثيرا كبيرا علي مجمل نتائج العملية السياسية في القاهرة. وتقول المصادر إن التدقيق الأمريكي مع حالة مرشح الرئاسة ستتفاوت وفقا لاسم المرشح الأبرز, فلو كان المرشح هو الفريق السيسي سوف تكون هناك حالة من الشد والجذب بين البلدين ولن يحجم التوتر المحتمل سوي موجة شعبية جارفة مؤيدة لقائد الجيش المصري تضع واشنطن في موقف الدفاع وتجعل أوباما يطوي صفحة الضغوط! مع كل الاحتمالات, تبدو واشنطن غير قادرة علي وضع رؤية للشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الثورات الشعبية وهي حالة فشل تستمر للعام السادس من حكم أوباما- الذي يدخله بعد يومين- ويمتاز بفقر الأداء وعدم تحقيق إنجاز فعلي علي المستوي الدولي أو علي مستوي إقليم الشرق الأوسط في ظل تعثر الحل في سوريا وفي عملية السلام بين إسرائيل والفلسطيين وإضافة أعباء جديدة علي مسيرة الرجل تتمثل في إرتفاع حدة تهديدات تنظيم القاعدة في مناطق النفوذ الأمريكي والغربي في قلب المنطقة, واللغة الحادة بين واشنطن والرياض من وراء الموقف من مصر والتقارب الأمريكي المفاجئ تجاه إيران قبل إنجاز صفقة أوسع وأشمل بشأن برنامجها النووي. يفاقم من تخبط إدارة أوباما اليوم- خاصة تجاه مصر- إعتماده علي مساعدين فقيري الخبرة في شئون الشرق الأوسط وتباين الأراء في إدارته ما بين إتباع المصالح الإستراتيجية وما بين الإلتزام بقدر من المثالية في العلاقات الدولية التي لا تتفق مع الأوضاع المرتبكة في ربوع المنطقة والتي ينظر إليها خصوم أوباما علي أنها نقطة ضعف تؤدي إلي تأكل القوة الأمريكية في الشرق الأوسط!
كلما لاح يناير جديد, فرض واقع جديد نفسه علي واشنطن وتغير حلفاؤها في أهم العواصم العربية.. من حسني مبارك إلي المشير محمد حسين طنطاوي المجلس العسكري ثم محمد مرسي وتلاه عدلي منصور.. أربعة رؤوس للسلطة في أقل من ثلاث سنوات وتبدو واشنطن شغوفة لمعرفة الوافد الخامس علي مقعد السلطة وربما يأتي إعلان الاسم الأبرز قبل نهاية يناير تلك المرة!




المصدر الاهرام

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق